بدأت الشمس ترسل خيوطاً خفيفة محاولة التحرر من قطع غيوم، بدأت بالانتشار، مما دفع الطيور إلى مغادرة اعشاشها، وطاب لها ان تصدح بأصواتها الندية لتزرع البهجة فوق جبين الحياة وداخل نفوس متعطشة للفرح,, بخطوات واهنة وحمل ثقيل ناء عن حمله جسمها الهزيل وقواها الضعيفة، رمت اثقالها بالمكان المخصص لها بالسوق الشعبي داخل المباسط النسائية.
عرضت بضاعتها المكونة من اشياء بسيطة بعضها معد داخل المنزل.
رددت وهي تهم بترتيب مبسطها اصبحنا واصبح الملك لله .
دفعتها يد الفقر والحاجة الى هذا المكان,, وشفاه يابسة وبطون تتضور جوعاً، واجساداً تريد ما يسترها، تأوي داخل منزل يصلح لكل شيء الا ان يكون مأوى لبشر، عرته الريح واحدثت الامطار به فراغات ونتواءات وشقوقاً واسدلت عليه الليالي عتمة الفقر والبؤس واليتم ومرارة الالم، التي تتجرعها ام هؤلاء الصغار كلما الح احدهم بطلب لم تستطع تنفيذه!
ولم تحتمل ان تجلس بين رطوبة الاركان وملوحة الزوايا لتمد يدها لاخذ حسنة من الآخرين فهناك من يجود يوماً ويمتنع اياماً!
اختارت طريقاً شائكاً جلب لها الشقاء والتعب ولكن ساعدها بتسيير مركب حياتها وحياة صغارها رغم الامواج العاتية لم يثنها عن المضي في طريقها حالة الاجواء ولا نظرة ازدراء!
اتخذت مقعدها وسط مبسطها، ضمت رضيعها الى صدرها وهو يتحسس الدفء والحنان داخل احضانها، ألقت نظرة اليه,, طبعت قبلة على جبينه,.
انني انتظر الغد يا بني حينما تكبر ويكبر اخوتك وتكونوا بمثابة الغيث الذي يسقيني بعد طول عطش والربيع الذي يزهر فوق ارضي بعد دهر من التصحر, اريد ان تكونوا الوصل الحنون بعد ان قطعني اقرب الناس لي، اريد أن اعانق فجرا سعيدا مشرقا بالبهاء بعد غروب معتم جلب لي الشقاء!
سمعت اصواتاً وهمهمة من خلفها؟ سمعت صوتاً يردد مراقب البلدية!!
التفتت محاولة استجلاء الامر ومعرفة ما يدور حتى فاجأها من ينزع مبسطها وهي تصرخ وكأن خيالاً طاف بها وليس واقعاً,, البيض يتكسر,, ذرات الحناء تناثرت مع الهواء!
تبكي متوسلة حيناً ومتوعدة احياناً,, نهضت وكأن بعثت بها روح التحدي,.
والقوة,, محاولة لملمت ما تناثر من بضاعتها، وطفلها الى جانبها ينتفض مذعوراً وقد عانق صراخه الأسماع حتى كاد يفجرها!
ماذا تريدون,, وانتم ترسلون لنا, رياحكم العاتية لتقتلع جذورنا الضعيفة,,، وتلقوا بنا في متاهات الخوف والضياع!
ورد عليها الرجل ساخراً:
لقد شوهتن منظر السوق بمابسطكن وبضائعكن البدائية!!
يد الحاجة من دفعنا الى ذلك؟
هل تحملن تصاريح او رخصة تعطيكن الاذن بالبيع!؟
نعم لدينا تصريح,, وهل هناك اقوى من الفقر واعنف من البؤس, واشقى من الحاجة!!
لم تشعر بنفسها الا برفسة تلقيها ارضاً,, لملمت بقايا مبيعاتها وألقيت بالسيارة واخذ عليها تعهد بالا ترجع الى ممارسة البيع وتم اغلاق المباسط النسائية.
فلم تجد وسيلة الا التنقل من محل تجاري الى آخر ومن اشارة مرور الى اخرى، جعلت التسول مهنة لها!!
لميس منصور