وإن كان لي من علامات حمراء، ارسمها على جبين شاعرنا المقالح، ففي الطريق اسئلة شتى، فالدواوين التي افرزها تحمل كلمات، وآهات، وعذابات، كنت اتمنى لو تطهّر منها، ناهيك عن أيدلوجيات أكل عليها الدهر وشرب، ولم تبق إلا في بطون الكتب غير الصفراء من شعراء ومفكري جيل الستينات والسبعينات، فهذه (الكلمات) والالفاظ عراقيل تؤذي المارة، وقد جرحت قدمي خلال السير في تضاريس شاعرنا,, تقرأ مثل صوت الكنائس، والمنجل، والمصلوب، والقبل البكينية، فأعوذ بكلمات الله التامات من شر الكلمات,.
ويبقى من وراء هذه الالفاظ، ألفاظ حملت كل شيء إلا الشاعرية، حيث نجد كلمات كالحمير، والجرذان، والصرصور، والقرد، والخفافيش، التي لا تخدم الشاعر، ولا الشعر، نعم قد تحمل مضامين فكرية او رمزية معينة، الشاعر ادرى بمحتواها، إلا أنها تجرح المتذوق، الذي استغرب بكاء المقالح، وخفض له جناح الوقت من الاكبار.
وهنا أقول للمقالح - نحن لم نكن كما قلت - سجنتنا الاوزان في قمقم الشكل ، بل انبش يا شاعرنا في مضمار الشعر كما تشاء، واخرج من نسل الشعر المقفى - الذي ترقص على روعة الحمير ، اخرج الى الجهات الاربع، واطرب الدنيا، واجرح فلول التعبير، فالطريق مشرعة، والابواب لا تغلق لأداء النوم,,!!
ان المشهد الشعري عند المقالح، حافل بالشوق والتوق، يعتريه اليأس من آناء الليل واطراف النهار، لذا تراه يقول مخاطبا صنعاء (1)
يائس منك، فايأسي من لقائي
ودعيني لغربتي وعنائي
يا بلادي، وأنت لم تنحيني
غير اذن مثقوبة,, وتنائي
في ضميري زلازل في دمائي.
غير اني الى بلادي مشوق
كل عين تهفو الى صنعاء,.
قبلتي حائط عتيق واطلال
على ذلك التراب النائي
فلماذا لم تذكريني اجيبي؟!
يا بلادا تقيم في احشائي
ان المقالح ينصهر في هذا المكان الذي اكل الليل ضوء جفنيه، ليعلن يأسه، ويربط نفسه بحبال الموت، ويذرف دموعا لم تهز رمال المواني.
ليختم هذا النص بقوله:
اسفي ان اموت يوما غريبا
ودم الشوق صارخ في دمائي!!
* سهل :
ان من تصرخ الدماء في عروقه هو من يعيش في هامة الحياة، والنبض خلاف الركود، والحركة بذبح السكون، لذا بقي المقالح يعانق القادمين، يبحث عن صنعاء في اثوابهم، وروائح هضابها بين عيونهم، ليعانق صنعاء في العيون اليمانية قائلا (2)
أنت ما ابصر الآن.
ما كنت أبصر الامس.
عيناك ضوئي.
ووجهك قائدي,, ودليلي.
اذا سألوني عن اسمي اشير اليك
وان سألوني الجواز نشرت على جسدي
وجهك العربي
المرقع بالجوع
انت انا
يتكلم في شفتي صوتك الواهن الحرف
لا صوت لي.
صرت وجهي، وصوتي، وعين غدي
وهكذا تنطلق صنعاء حين يجيء المساء عارية لتنام بين صدر الشاعر وقلبه.
* سفح:
صنعاء والمقالح، الأولى كالماء، والثاني كالتيمم، فإن غابت الأولى وجبت الثانية، صنعاء، كالماء العذب، لذلك تكاثر عشاقها من بلقيس حتى جنوب البردوني، وهكذا المنهل العذب يكون كثير الزحام,!
إن المستقرئ للمقالح يتحسس الظمأ في حنجرة هذا الشاعر الذي تعطش كثيرا، وصبر طويلا، وهو ينشد ظلا ظليلا، لذا تناثرت الاسئلة، اسئلة جريحة الأبعاد.
تنطلق من صنعاء لتنام في صنعاء، وهنا يستحضر في هوامش اليمانية
تغريبة ابن زريق البغدادي ليصارحه قائلا (3)
ماذا أكون؟,!
لمن أبكي؟!
ألا وطن,.
في ظله يرتوي عمري، وأزرعه؟
ودعته وبودي لو يودعني
صفو الحياة، واني لا اودعه .
صنعاء طال انتظار الفجر واحترقت
خيوله، وبكى - حزنا - تضرعه
كل العوانس في احيائنا ولدت
وانت عانس حيّ طال مهجعه,.
أكاد ألمح عن بعد طلائعه.
تقيم جسر أمانينا وتشرعه,
* هامش :
(1) راجع الأعمال الكاملة ص 421
(2) راجع الأعمال الكاملة ص 636
(3) راجع الأعمال الكاملة ص 438
|