Thursday 24th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الخميس 10 ربيع الاول


كل ما في الأمر
دفهد المغلوث

حينما نقسو على بعضنا البعض ونخطىء في حق بعضنا، وحينما نختلف فنقاطع بعضنا وحينما نرفع أصواتنا في وجه بعضنا البعض فتثور ثائرتنا ولا نبالي بمن حولنا مهما كانت منزلته لدينا، فهذا ليس لأن قلوبنا متحجرة، ليس لأننا نريد أن نقسو أو أتنا نتعمد القسوة وتستمتع بها ليس لأن القسوة من طبيعتنا وشيء متأصل فينا أبداً!
كل ما هنالك أن بعض الظروف القاهرة والقاسية التي نتعرض لها مع آخرين والضغوط النفسية المؤلمة التي نجد أنفسنا تحتها تجبرنا ومن دون أن نشعر أن نفرغ جام غضبنا على اقرب الناس إلينا.
لا نشعر إلا وقد فلتت منا أعصابنا وربما تلفظنا بألفاظ نحن لا نرضى أن نسمعها من الآخرين تجاهنا,, تلك الظروف تقودنا لان نكون أشخاصا قاسين أحياناً وغير متفهمين أو غير واعين لما نقوله أو نفعله مع من حولنا هذا كل مافي الأمر.
ليس ذلك فحسب، بل قد تجعلنا تلك الظروف -وبإدارة الله- ان نكون قاسين علىأنفسنا فنحرمها من أبسط حقوقها لاننا في ظل هذه الظروف لانفكر كما ينبغي وحتى لو استمتعنا بعمل شيء معين فذلك لاننا نريد أن ننسى ماقمنا به وتعرضنا له, وهناك فرق بين أن أستمتع لأشعر بنفسي واحقق السعادة لغيري وبين أن استمتع للخروج من مأزق ما وجدت نفس فيه رغماً عني.
بل الأكثر من ذلك اننا حينما نقسو على بعضنا البعض رغم عنا أو حتى عندما لا نريد أن نتحدث مع أقرب الناس في بعض الأوقات، فهذا لا يعني اننا لم نعد نريدهم أو اننا تخلينا عنهم أو اننا بدأنا نقطع علاقتنا بهم وتواصلنا معهم, ابداً,, فقد يكون سبب ذلك أننا متضايقون من شيء ما ونريد أن نخلو مع أنفسنا لبعض الوقت.
نريد أن نعيش لحظات صفاء مع الصفاء نفسه، نريد وقتا كافيا للخلود للراحة والتأمل مع النفس ومحاسبتها.
نريد أن نبتعد عن أجواء المشاحنات قليلاً وعن العتاب المتواصل وعن الشعور اننا السبب في مضايقة الآخرين وجلب التعاسة والقهر لهم.
وهذا بالتأكيد، لايعني أن لحظات الصفاء لا تتوفر فيمن لا نريد أن نخاطبهم ونحن متضايقون خاصة اذا كانوا هم الصفاء نفسه، أبداً، ولكننا لا نريد أن نضايقهم أو أن نخطىء في حقهم أو أن نسيء اليهم، لأن الإنسان حينما يكون غاضباً قد تصدر منه تصرفات وسلوكيات لا يرضى بها هو نفسه ولا يقصدها, فهو، ومنعاً لحدوث مثل تلك التصرفات اللامسؤولة يفضل البعد قليلاً كي لا يسيء لغيره أو يخسره بكلمة أو تصرف, ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة الذي علّمنا بألا نتخذ قرارات ونحن غاضبون,وشيء آخر، أننا حتى لو لم نسىء للطرف الآخر بكلمة أو تصرف مشين، فإننا سنضطر للحديث معه على مضض وبدون نفس فقط لمجرد ارضائه وهذا مالانريده خاصة مع أشخاص مميزين لا يستحقون منا هذا النوع من الحديث الذي لم يتعوده منا والذي قد يفسر على أنه تجاهل بحقهم أو برود في مشاعرنا تجاههم، وهم من هم بالنسبة لنا ونحن من نحن بالنسبة لهم.
نحن لا ننكر أن هناك أناسا أصبحت القسوة جزءاً من شخصيتهم وطبيعتهم وحياتهم اليومية بحيث انهم اصبحوا يمارسونها بشكل يومي دون أن يشعروا بتلك القسوة بداخلهم أو حتى أن يعترفوا بها ولكن أمثال هؤلاء لا يمثلون شيئاً بالنسبة لنا، صحيح أنهم قد يؤثرون بشكل مباشر سلبي على مجرى حياتنا خاصة عندما يكونون أولياء أمورنا ويملكون مقاليد التحكم فينا أو أن يكونوا رؤساءنا في العمل ولا نملك سوى أن نمتثل لأوامرهم التعسفية غير المنصفة بحقنا خوفاً من استخدام تلك السلطات والصلاحيات الممنوحة لهم ضدنا فقط لأننا لانوافقهم الرأي أو نعارضهم.
أحياناً ونحن نشتكي من قسوة الآخرين لنا، فإننا نقسو على الآخرين أيضاً وبالذات المقربين منا ليس بالألفاظ الجارحة والتصرفات غير اللائقة فحسب، بل باساءة فهمهم باستمرار والتشكيك فيهم سواء في اقوالهم او افعالهم وتفسير كل شيء يقولونه أويتفوهون به على أنه جرح لمشاعرهم واهانة لكرامتهم وننسى ان مشاعرهم هي مشاعرنا وكرامتهم هي الأخرى كرامتنا.
إذن، فالقسوة تكون على صور وأشكال مختلفة ومتباينة لعل اقساها تجاهلنا لبعضنا البعض فقد نكون في مدينة واحدة بل يربطنا رباط الجيرة، ولا يفصل بيننا سوى فواصل جدرانية خرسانية ومع ذلك فنحن بعيدون عن بعضنا كل البعد لا تواصل بيننا ولا اطمئنان عن أخبارنا والسؤال عن أحوالنا حتى بمجرد رفع سماعة التلفون التي لا تكلفنا شيئاً مهما كنا مشغولين! ألسنا في مدينة واحدة؟ ولا نحتاج وجود صفر دولي؟ ولكن ماذا بوسعنا أن نقول؟!
انه لشيء قاسٍ على القلب ان تظل أنت من يسأل ويطمئن على اقربائه واعز الناس إليه فقط لكي تشعر انهم بخير وانهم بصحة وعافية، نعم انه لشيء قاس على القلب أن تكون أنت المبادر في السؤال والاطمئنان وباستمرار ومع ذلك لاتجد حتى مجرد استجابة واحدة تريح قلبك وتشعرك بمدى شوق الآخرين لك ولهفتهم عليك.
وحينما يتكرر هذا الشعور لديك -وهذا ما يحدث للكثير منا في المجتمع- تتولد لديه شبه قناعة بانه انسان غير مرغوب او انه ثقيل على غيره وبالتالي يكف عن السؤال، وهنا تبدأ القطيعة بين الأرحام والأسر لان البعض لا يرد الزيارة ولا يرفع حتى سماعة التلفون ليطمئن أو يشكر غيره على اطمئنانه عليه وسؤاله عنه!
إن هذا الجفاء وعدم السؤال أو الاهتمام يولد القسوة لدى الطرف الآخر ويوجد شيئا من المعاملة بالمثل, أحياناً ليس بالضرورة أن أعامل غيري بالتطنيش كما يعاملني هو بالمثل، ولكنني أعامله كذلك، لانني احبه وأخاف عليه وأخشى أن احرجه بكثرة سؤالي عنه والحاحي في طلبه، نعم نتوقف عن السؤال عنه وقلبنا يتقطع من شدة الشوق إليه، نريد أن نعرف أراضيه وأخباره نريد أن نعرف موقعنا الإعرابي منه وموقعنا الجغرافي في خريطة حياته هذا كل مافي الأمر!
نريد أن نعرف ما يريح قلوبنا ويطمئنها، ولكن من قسوة الزمن انه حتى هذه الرغبة المشروعة يستكثرها علينا ويمنع ان يعطينا أياها.
الكل بالطبع يشعر بالقسوة بطريقته الخاصة وقد لا يستطيع اكتشاف مصادر القوة المحيطة به لأنها ربما كانت من الكثرة بمكان بحيث لا يستطيع أحصاءها ولأنها من الشدة بحيث لا تسمح له بالتفكير الواضح، ولكن تظل قسوة المشاعر وتصحرها وجفافها ونكرانها او حتى تجاهلها من الأمور التي تحتاج منا وقفة تأمل ان لم يكن وقفات!
ويبقى السؤال: هل نقسو لاننا نحب؟ أم أن القسوة هي الطريق لاكتشاف جوانب أخرى نحن في حاجة لمعرفتها؟
*همسة
يا الله!
ما الذي حدث لنا؟
ما الذي المّ بنا؟
من الذي دخل بيننا,.
فأفسد علاقتنا؟
وباعد بيني وبينك؟
***
أيعقل ألا يمر يوم,.
دون أن نتشاجر؟
دون أن نختلف ونتخاصم؟
دون أن نعاتب بعضنا؟
دون أن نقسو على بعضنا؟
أهكذا أصبحت حياتنا؟
أهكذا أضحى حبنا؟
***
لا أصدق ماحدث لنا!
لقد أصبحنا لا نتحمل بعضنا!
لا يطيق كل منا سماع الآخر!
اصبحنا نكيل التهم لبعضنا!
نفتعل المشاكل من لا شيء!
فقط لكي نبقى على خلاف؟!
أيعقل ذلك؟
ونحن من نحن؟!
***
ترى ماذا جرى لنا؟
فلم نكن هكذا يوماً!
منذ عرفنا بعضنا!
منذ تعاهدنا على المحبة
وتواعدنا على الخير والصدق
ترى أهي عين أصابتنا؟
أم ماذا ياترى؟
***
لقد كان المثل يضرب في حبنا,.
في تفاهمنا وصراحتنا,.
لقد كان الكل يحسدنا,.
على اخلاصنا ووفائنا لبعضنا,.
على بشاشتنا وسعة صدرنا,.
***
ولكن,, رغم ذلك,.
فهل تعرف ماذا اكتشفت؟
لقد اكتشفت مؤخراً,.
ان أجمل مافي خلافنا وخصامنا,.
أنه يقربنا من بعضنا,.
يعرفنا بأخطائنا,.
في حق أنفسنا,.
قبل أن يكون في حق بعضنا
انه يكشف لنا مدى قسوتنا,.
في حق حبنا لبعضنا,.
***
بل أروع مافي عتابنا,.
مافي هجراننا وتباعدنا,.
انه يعرفنا ويؤكد لنا,.
بأن كلا منا,.
لا يستغني عن الآخر!
أليس ذلك جميلاً؟
أليس شعوراً رائعاً؟

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
الاســـواق
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved