يدور في داخل اروقة الامن العام الامريكي حوار التكاليف المالية الباهظة التي تتحملها الخزينة العامة للدول نتيجة للانفاق الاستنزافي على المجرمين الذين حكمت المحكمة بسجنهم لمدد مختلفة، وتزداد هذه التكاليف، كلما كانت مدة السجن اطول، وكلما كان السجين في مقتبل العمر.
مشكلة التكاليف الباهظة الناجمة من احتجاز المجرمين خلف القضبان، ليست مشكلة امريكية وانما هي مشكلة عالمية تعاني منها كل دول العالم بلا استثناء، مما يتطلب ايجاد صيغة مالية عالمية، تعالج هذه الظاهرة بمعطيات الفكر الحضاري المعاصر، يتم التعامل بها في كل الدنيا.
صعوبة هذه المشكلة المعقدة والمتداخلة بعوامل واعتبارات عديدة، منها احتجاز مجرمين اجانب في سجون الدولة المضيفة لهم للعمل او للزيارة، بكل ما يفرضه ذلك من منازعة القوانين تحت مظلة القانون الدولي الخاص ذات الحساسية البالغة لارتباطها بالسيادة موضع الاعتزاز عند كل الدول التي تتصارع في ما بينها من مواطن سيادتها لاختلاف ظروف الحياة في داخل السجن من بلد الى آخر، وتطالب كل دولة من الدول الاخرى التي تحتجز مواطنيها في سجونها توفير ظروف الحياة السائدة في داخل سجون بلادهم.
دفعت كل هذه المداخلات امريكا الى البحث عن مخرج من ازمة الانفاق المالي الكبير على المساجين باتفاق دولي حتى يمكن تطبيقه في كافة الدول، واتفق على عقد مؤتمر دولي في اتوا العاصمة الكندية تشارك فيه بجانب الولايات المتحدة الامريكية وكندا، كل الدول الاوروبية، ومجموعة بين دول العالم الثالث التي تتلامس الحياة فيها مع معطيات الحضارة السائدة في الغرب المتقدم.
إن الهدف من هذا المؤتمر الدولي لبحث قضية الانفاق على المساجين هو الزام كل الدول المشاركة فيه على الاخذ بقراراته لمساهمتها في صياغتها، وكذلك الزام الدول الاخرى بها في مراحل لاحقة اما باختيارها واما باجبارها بعد ان تصبح معادلة الانفاق على المساجين المتفق عليها في مؤتمر اتوا مسلكا دولياً واجب الانفاذ تحت مظلة توحيد انماط الحياة على الارض من خلال الجات والعولمة مع بداية القرن القادم الواحد والعشرين الذي يطرق على بوابة الدخول للدنيا.
قبل ان نتحدث عن اوراق العمل التي تعد من قبل الدول التي ستحضر مؤتمر اتوا، نريد ان نقول بان ظاهرة الانفاق على المساجين ظاهرة قديمة ولجأت الدول في العصور الهمجية الى قتل المساجين في داخل سجونها للتخلص من الانفاق الكبير عليهم.
لما اظهر الله نور الاسلام بمعطياته الحضارية الراقية ومبادئه الانسانية الشفافة عالج قضية الانفاق الكبير على المساجين بالزام ذوي القربى للمساجين باطعامهم اليومي وكسوتهم السنوية، واستند المسلمون في هذا الحكم الى قاعدة شرعية تقرر كفالة القادر على غير القادر من ذوي القربى مثل كفالة الابوين لابنهما العاجز في صغره، وكفالة الابن لأبويه العاجزين في كبرهما.
لم يترك هذا النظام الاسلامي للانفاق على المساجين بدون تنظيم دقيق، لانه ربط الانفاق بالارث فمن يرث او يرثه المسجون ملزم بالانفاق عليه طوال مدة سجنه، وفي هذا عدالة مطلقة فالوارث في الاسلام اما ان يحصل على مال تركه مورثه الميت واما ان يتحمل سداد دين عن مورثه الميت.
الغياب عن الدنيا في داخل السجن يجعل المسجون الحي الميت فيلتزم ورثته بالانفاق عليه في داخل سجنه، وعلى اسرته في داخل بيتها، الاستثناء الوحيد الذي وضعه المسلمون على هذه القاعدة هي حالة السجين الغني المقتدر ماليا، فيتولى الانفاق على نفسه وعلى اهله في بيتهم بواسطة وكيل شرعي يختاره لادارة امواله.
أضع هذه المعالجة التي وضعها المسلمون في الإنفاق على المساجين امام المؤتمر الذي سيعقد في اتوا، وهي بدون شك ستفوق كثيراً اجتهاد المجتهدين من اهل الفكر بالدول المشاركة في المؤتمر لان كل وعاء انفاقي سيختارونه او يصلون اليه سيحمل الناس المتضررين من جريمة او جرائم المسجون تكاليف معيشته في داخل سجنه من خلال زيادة حجم الضريبة عليهم لتغطية هذه النفقات المستحقة على المساجين.
تسربت معلومات عن اوراق العمل المعدة من بعض الدول التي ستشارك في مؤتمر اتوا، ترى احداها تقصير مدة العقوبة على المسجون لتخفيض التكاليف المترتبة على احتجازه، وتستند هذه الورقة على فهم اقتصادي يقرر بان معالجة العجز المالي يتم من طريقين اما زيادة الدخل او تخفيض الانفاق، ولما كان الدخل منعدما للمسجون لحبس حريته، فلا يصبح امامنا الا اللجوء الى تخفيض الانفاق الذي يتم باطلاق سراح المساجين قبل انقضاء مدة عقوبتهم ودفع المشرعين الى سن قوانين جديدة الى سن قوانين تقلل من سنوات العقوبة على الجرائم.
رفض رجال القانون هذا المنطق الاقتصادي لانه يتعارض ويتناقض مع العدالة التي تقرر بان العقوبة تحدد بحجم الجرم المرتكب، فالقاتل يعاقب بالسجن المؤبد في الدول التي الغت حكم الاعدام وتقليل مدة العقوبة على الجرائم يؤدي الى نتائج عكسية هي زيادة معدلات الجريمة، فيزيد الانفاق على العدد الاكبر من المجرمين خلال سنوات السجن الاقل عن الانفاق على العدد الاقل من المجرمين خلال سنوات السجن الاطول .
ورقة عمل اخرى تذهب الى توظيف المساجين ليتولوا الانفاق على انفسهم من الدخل الذي يحققونه بالعمل وتصطدم هذه الورقة للعمل مع العطالة القائمة في معظم الدول مما يستحيل معه ايجاد وظائف للمساجين في ظل الوضع الاقتصادي القائم، بجانب عوائق التنفيذ المرتبطة بتنظيم خروج السجين من سجنه للعمل وعودته اليه بعد انتهاء ساعات العمل المقررة، يضاف الى ذلك ان معظم المساجين من المقعدين علمياً وعاجزين عن اداء اعمال تتطلب حدا ادنى من الكفاءة العلمية.
ورقة عمل ثالثة تطالب بوضع برامج تعليمية وتدريب مهني لتأهيل المساجين لمدد طويلة للعمل في مصانع السجون، يعترض على هذه الورقة الاقتصادية الذين يرون فيها زيادة في تكاليف الانفاق على المساجين بالانفاق الاضافي على تعليمهم وتدريبهم دون توفر الجدوى الاقتصادية، لان السجون في معظم الدول لا تمتلك المصانع الخاصة بها او المتابعة لها.
ورقة عمل رابعة تذهب الى ايجاد روافد دخل جديدة للسجون من خلال استثمار الاموال الطائلة ملايين الدولارات الامريكية التي تنفقها ادارات السجون على المساجين، فيتحقق بالعائد الاستثماري الذي تحققه الدول المشاركة في مؤتمر اتوا قدرة مالية ذاتية للسجون تمكنها من الانفاق المنتظم وغير المرهق على المساجين.
هذه الورقة للعمل توغل في الخيال لان الاموال التي تنفق على السجون تصرف من الخزينة العامة للدولة بشكل شهري وفق اعتمادات مالية رسمية واجراءات صرف نظامية، ولا يمكن الحصول عليها دفعة واحدة، لتوظيفها في الاوعية الاستثمارية التي تتحدث عنها الورقة للعمل، وحتى اذا قبلت الخزينة العامة للدولة تقديم المبلغ بالكامل لعدة سنوات لخدمة الغرض الاستثماري التي جاءت في هذه الورقة، فمن اين تنفق السجون على مساجينها قبل ان يأتي اليها العائد الاستثماري من الاموال المستثمرة في اوعية يصعب اختيارها بسهولة, ورقة عمل خامسة تدعو الدول المختلفة المشاركة في مؤتمر اتوا الى اقامة صندوق خيري دولي بتلقي التبرعات من اغنياء العالم مقابل اعفاءات ضريبية تتلاءم مع حجم تبرعاتهم لهذا الصندوق الخيري، غير ان هذه الورقة للعمل تدعو الى الاخذ بيد للهبات والعطايا، وتدفع باليد الاخرى المبالغ المستحقة للخزينة العامة بالاعفاءات الضريبية التي تشكل رافداً من روافد الدخل العام بجانب ما يؤديه فتح هذا الباب للاعفاء الضريبي من تهرب ضريبي يزيد من خسارة الخزانة العامة للدولة.
ورقة عمل سادسة تطالب باقامة منظمة دولية للسجون تشرف على عمليات البيع بالتكلفة تحت مظلة الاعفاءات الضريبية ورفع الرسوم الجمركية لكل ما تحتاج اليه السجون في العالم على غرار ما هو مطبق وقائم للدبلوماسيين في الدول المضيفة، وهو رأي لا يمكن تطبيقه على المساجين بالصورة المطبقة بها على الدبلوماسيين لان الاعفاءات الضريبية ورفع الرسوم الجمركية تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل في الحياة الدبولوماسية الذين ينفقون في داخل البلدان المضيفة لهم اضعافاً مضاعفة عن حجم ما يحصلون عليه من الاعفاءات الضريبية.
ان عوائق تطبيق الاعفاء الضريبي على كل ما يحتاجه المساجين تدور حول حقائق باردة ثابتة هي ان عدد سكان الارض في زيادة سريعة ومستمرة تزيد في ظل آلية الاداء للاعمال المختلفة الى زيادة نسبة البطالة التي تؤدي الى ارتفاع عدد الفقراء بكل ما يرتبط بذلك من زيادة معدلات الجريمة واكتظاظ السجون بالمجرمين بما يفرض الاخذ بالحل الاسلامي للسجناء.
|