* لم نغادر شيئاً من مقتنيات الحضارة إلا تملكناه واستعملناه، لكن العداء القديم الذي نكنّه (للملاعق) لايزال ساكنا في قلوبنا لم يغادر بعد! ربما لأن (الكرم) وهو من خصالنا المتميزة لايزال يأنف من (الملعقة) باعتبارها تحييداً لليد، وتقنيناً للطعام، وآلة لا تقبل القسمة مع الخروف الكبير الرابض على تل الأرز!
ويدعوك (المولم) لدعوته، وتأتي (صياني) الأرز الكبيرة، وعليها الذبائح المطهية، ويتحلق المدعوون عليها، ثم يصدرون عنها، فاذا هي لم تنقص إلا قليلاً! وتنظر في الساعة فإذا عقربا الساعة قد قرضا نصف الليل! لقد نام الجائع والشبعان، فلا تبحث عمن يأكل فضلتك الباقية! والواقع أن فضلتك أكلها ضيوفك بينما طعامك الأساسي هو هذه الجفان الكبار المثقلة باللحوم والأرز!
ومنذ أن رفضنا (الملعقة) ونحن نعاني من أزمة العقل في مقادير الطعام!
وجاء في اخبار العرب الأوائل، أن أعرابيا دُعي إلى وليمة، وقُدمت له ملعقة ليأكل فيها، فرفضها، فسُئل: لماذا لا تأكل بها؟! فقال لهم: إنني كرهت أن أُدخلها في فمي ثم أُدخلها في (الصحفة)! فإن أبيتم فأعطوني لكل لقمة ملعقة!!
هذا الاعرابي في نادرته هذه، يريد ان يثبت لحضارة (الملعقة) ان مسلّماتها الحضارية ليست فوق النقد، بل يمكن نقدها، واثبات عوجها!
والشاعر الذي قال:
وكم مدّعٍ فضل التمدن ما له من الفضل إلا أكله بالملاعق! |
أيضا يريد ان يقول لهذا المتمسك بملعقته، إنه لا يملك من المدنية إلا اكله بالملعقة! وأكثر منه إغرابا في الحكم ذلك الذي قال:
إضرب بخمسٍ ولا تأكل بملعقةٍ إن الملاعق من صنع الشياطين! |
لقد حشر الدين في طريقة تناول الطعام، بل اعتبر (الملاعق) من صنع الشياطين!
وقال لي شيخ كبير، تُوفي عن تسعين عاماً: دُعيت في صدر شبابي بدمشق إلى وليمة أقامها أحد الأعيان، وحين حان موعد الطعام، قمنا إلى مجلس فيه مقاعد وطاولات فأقبل رجل ومعه معاونوه، يحملون قدور الطعام، فأنزلوها على مقربة منا، ثم اقبلوا علينا فوضعوا أمام كل واحد منا أواني صغيرة، فصبّوا المرق، ثم وزّعوا الأرز، وهكذا,,, يعرضون عليك الزيادة، فإن قبلتها زادوا لك، وإن اعتذرت ذهبوا لجارك، حتى مر دور الفاكهة والحلوى، وحين اكتفى الضيوف قام متعهد الطعام بحمل أوانيه وقدوره، ولم يبق فوق طاولة الطعام فضلة من الأكل!
لقد استحسن هذا الرجل القادم من (نجد) اسلوب تقديم هذه الوليمة، ولم يطلب من صاحب الدعوة ملعقة لكل لقمة! ربما لأنه يضع ملعقته في إناء خاص به، وليس في إناء مشترك يَرِدُ عليه الجميع!!
وقال لي طبيب من بلد عربي، يُقيم بيننا: إني أتعجب من أكياس القمامة المحشوة بالأرز والخبز، والتي تخرج من بيوت جيراني، ولقد قلت لهم: ان هذا اسراف لايُرضي، وان طعامكم الزائد له حلان، إما أن يُحفظ في الثلاجة ليؤكل في الوجبة التالية، وإما أن يُتصدق به على المحتاجين في وقته، والأفضل مراعاة مقادير الطعام قبل الطبخ، فلا نزيد فيه على حاجتنا وحاجة ضيوفنا !
وقول هذا الطبيب في محله، ونصيحته أولى ان تتبع ودُعيت مرة الى احدى الولائم، وحيّا مضيفنا ضيوفه وهو يطلبهم لعشائه، فسمعت منه عبارة لم أنسها: اعذرونا بالتقصير، نعذركم بالفضلة وهي عبارة ليست من ابداعه على أية حال، وانما هي عبارة مشهورة من ارث القرون الكريمة، فذلك الهاجس النفسي الذي ينتاب الرجل العربي عند إقامة الوليمة، هو الخوف من التقصير، أي ألا يكون قد قام بواجب ضيوفه خير قيامه! وهذا سقف لا حدود له! والاشتراط هنا واضح، عذر مقابل عذر! ولكن ان تبقى بقية من الطعام فتلك اهون من هاجس التقصير الذي يبقى عيبا لا غفران له!
ويدعوك اليوم بعض الناس الى طعامه، فتجده قد وضع الأرز في إناء، واللحم في إناء، والسلطة في إناء، والمرق في إناء آخر، وفي كل إناء مغرفة، وأمام كل ضيف (صحنان) صغيران، فيغرف حاجته من الإناء الذي يريد، وإن رغب الزيادة استزاد، وإن اكتفى ترك الإناء الكبير لمن بعده! وهو أسلوب عملي واقعي يحفظ للطعام سخونته وقيمته، ويُعطي فرصة مماثلة للضيوف التالين ولأهل البيت، لكي ينالوا نصيبهم دون ادنى حرج! ويحفظوا ما تبقى للوجبة التالية أو اليوم التالي! لكن صفة الكرم الحاتمي فينا تجعلنا نأنف هذا الاسلوب ولا نستعمله، وسيظل (فيض أطعمة الولائم والمناسبات) جاريا مع الاعتذار لمن سماه (فائض)،
بل هو فيض وفيضان يبلغ مداه في فصل الصيف، وليس الشتاء كما هي عادة الاودية، حيث في الصيف يتم الحجز الكامل لعموم قصور الافراح والفنادق والاستراحات، حين يذبح (حاتم) حصانه الاصيل، ولايترك لولده سوى سيفه ورمحه، وهما آلتان ليستا لقِرَى الضيف بل لحمايته ولنحر الذبائح له!
وسنظل رافضين لحضارة الملاعق، وسنطالبها دائما بالمطلب التعجيزي القديم:
أعطوني لكل لقمة ملعقة !
وسنزيد عليها: فإن أبيتم فضعوا أمام كل منزل من منازلنا برميلاً أصفر، نُلقي فيه في وجباتنا اليومية.
عبدالكريم بن صالح الطويان