*القيروان هي أول مدينة اختطها العرب الفاتحون في الشمال الافريقي، لتكون قاعدة لغزواتهم التي لم تنقطع حتى تم فتح الأندلس في عام 92ه, وقد قام بتأسيسها الفاتح الكبير عقبة بن نافع في عام 50ه في خلافة معاوية ابن أبي سفيان، واختار لها موقعا في الصحراء لتكون بعيدة عن منال الأسطول البيزنطي الذي كان يهاجم سواحل تونس آنذاك.
وكما هو دأب المسلمين فقد كان المسجد الجامع أول ما شيد في المدينة من عمائر واستغرق تشييده حوالي خمس سنوات انتهت في عام 55ه 675م وجاء بسيطا في هيئته الأولى، إذ كان مؤلفا من قسمين متساويين تقريبا، أحدهما صحن مكشوف والآخر بيت للصلاة يقوم سقفه على جذوع النخل، وقد حرص ولاة افريقية الذين اتخذوا من القيروان عاصمة لولاياتهم على تعمير الجامع وتوسعته وزخرفته، فجدده الوالي حسان بن النعمان حوالي عام 80ه 669م وزاد في مساحته زيادة كبيرة الوالي بشر بن صفوان الكلبي عام 105ه 723م .
وبدأ المسجد يقترب من شكله الحالي في العصر العباسي عندما قام الوالي يزيد بن حاتم عامل الخليفة المنصور على افريقية في عام 155ه 772م بهدم المسجد كله، فيما عدا المئذنة والمحراب، وأعاد تشييده وسرعان ما كرر نفس الأمر زيادة الله بن الأغلب ثاني أمراء الأسرة الأغلبية في عام 221ه 836م ، ولم يتبق من أصل البناء سوى المحراب الذي ينسب الى عقبة بن نافع نتيجة لاعتراض الفقهاء على هدمه وكان الحل الوسط هو حجب المحراب القديم وتغطيته بحائط، وبفضل هذا الاجراء تم انقاذ محراب عقبة الذي يعد من أقدم المحاريب في المساجد الاسلامية.
والحقيقة ان دولة الأغالبة قد أولت هذا الجامع كل عناية، فخلال اعادة البناء في عهد زيادة الله تم انشاء محراب جديد للمسجد زين هو وجدار القبلة بالرخام الأبيض المغطى بالزخارف والكتابات وأصبحت العقود محمولة على 414 عمودا من الرخام بالاضافة الى العمودين الأحمرين اللذين يكتنفان المحراب، وكلاهما ينسب الى أعمال يزيد بن حاتم في الجامع.
ومن بعد زيادة الله قام ابراهيم بن أحمد الأغلبي بتجديد المسجد وتوسعته في عام 248ه 862م ، واليه تنسب بلاطات القاشاني ذات البريق المعدني التي تحيط باطار المحراب.
وقد أعيد تجديد جامع القيروان على يدي المعز بن باديس بن زيري بعد تخليه عن الفاطميين، كما اهتم خلفاء الدولة الحفصية بتجديده في نهاية القرن السابع الهجري 13م .
ويتألف الجامع الذي يعد اليوم من المزارات السياحية بتونس من صحن مكشوف طوله 90مترا وعرضه 70 مترا يتقدمه بيت الصلاة الذي تبلغ مساحته حوالي 2600م 2 وهو مكون من سبع بلاطات موازية لجدار القبلة، وعقودها عمودية على جدار المحراب ولذا يقال دائما ان الجامع به 17 رواقا يتجه كل رواق من الصحن الى جدار القبلة وأوسع هذه الأورقة هو الرواق الأوسط الذي يؤدي الى المحراب مباشرة، ويتقدمه من ناحية الصحن قبة رائعة شيدها ابراهيم بن أحمد الأغلبي وهي مضلعة من الخارج وحافلة بالنقوش من الداخل، كما توجد قبة أخرى في نهاية الرواق بأعلى المحراب، والغرض من تشييدهما هو زيادة كمية الضوء في منطقة المحراب حيث يقف إمام الصلاة.
وتعد مئذنة جامع القيروان أقدم مئذنة إسلامية بعد منارة قصر الحير الشرقي بالشام 110ه اذ يرجع تاريخها الى عام 221ه 836م وقد أنشأها زيادة الله الأغلبي لتحل مكان المئذنة القديمة التي شيدها بشر بن صفوان حوالي عام 105ه 724م .
وكما هو شأن المآذن المغربية فهي عبارة عن بناء مستقل في الجدار المواجه لظلة القبلة يأخذ شكل البرج، وهي تتألف من ثلاثة طوابق مربعة المسقط تصغر أبعادها من طابق الى الذي يليه ويبلغ ضلع قاعدة المأذنة حوالي 10,67مترا وارتفاعه 18,87م وارتفاع الطابق الثاني 5 أمتار والثالث 7,5 أمتار أي ان الارتفاع الاجمالي للمئذنة يعادل 31,37مترا أي ما يقارب ارتفاع عمارة حديثة مكونة من عشرة طوابق.
وبداخل المئذنة سلم يربط بين مدخلها المعقود على هيئة حدوة الفرس ونهاية الطابق الأول أما الصعود الى الطابقين الثاني والثالث فيتم بدرج سلم آخر, وقد دفع هذا الاختلاف البعض الى القول بأن قاعدة المئذنة ترجع الى عهد بشر بن صفوان أما قمتها فتعود الى تجديدات زيادة الله الأغلبي، ولو صح ذلك الاعتقاد لكانت مئذنة جامع القيروان هي أقدم المآذن الاسلامية قاطبة ودون منازع,ومهما يكن أمر الخلاف حول أسبقية مئذنة القيروان الحجرية فان المنبر الخشبي، القائم بهذا الجامع يعد أقدم منبر باق في ديار الاسلام ولا يزال في حالة جيدة على الرغم من ان تاريخه يعود الى النصف الأول من القرن الثالث الهجري 242-249ه وقد حمل من بغداد حاضرة العباسيين ليوضع في هذا الجامع، ولما كان قد عثر في حفائر أثرية أجريت بمنطقة تكريت على أعمال خشبية تتطابق زخارفها مع الزخارف الخشبية لمنبر القيروان فقد رجح الآثاريون انه ايضا من صناعة تكريت.
ويبقى لجامع القيروان ماضيه التليد ودوره الرائد في حمل راية الجهاد الأولى في كل افريقيا ونشره للعلم ودعوة الاسلام عبر الصحارى والجبال هناك.
د, أحمد السيد الصاوي