Friday 7th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 21 محرم


طاهر بن جلون في روايته الجديدة ,, أوبرج الفقراء
عندما نستبدل كتابة الرواية بعيش أحداثها ,,!

* الرواية: أوبرج الفقراء .
* المؤلف: طاهر بن جلون ,
* اصدار: دار سدى الفرنسية - باريس 1999 .
* عدد الصفحات: 365 صفحة .
لم يعد من المستعجب ان يدور العمل الادبي حول عالم الحواديت والحكايات متضمنا شخوصا اساسية تقوم بدور الرواة الشفاهيين حيث يستعير النص المكتوب حالة الحكي الشفاهي وآلياته وأسلوبه داخل النص المكتوب اوبرج الفقراء للروائي المغربي المقيم بفرنسا والحاصل على جائزة الجونكور لكتاب اللغة الفرنسية، طاهر بن جلون ينطبق عليها تماما هذا الكلام، فهي رواية ذات قيمة ادبية عالية ومتفردة وفي الوقت نفسه ترسخ لاهمية الحكي والحواديت ان لم تكن تتبنى منطقها بالفعل ورؤيتها الاسطورية للعالم.
بطل بن جلون هذه المرة - ايضا - محاصر باشكال القهر من كل ناحية، فهو فاشل في حياته الزوجية، مجبر على الاستمرار خوفا من اهل زوجته - مدرسة التاريخ والجغرافيا بمدرسة محمد الخامس - المقيمين معه بالبيت والذين حولوا البيت الى مساحة من التكدس والضوضاء، وهو مجبر كذلك على الاستمرار في العلم كمدرس بالجامعة في مراكش بينما حلمه الاوحد ان يصبح كاتبا روائيا على طراز جيمس جويس يكتب رواية تماثل أوليس الا ان كل محاولاته في الكتابة تظل في طي السرية حبيسة الادراج دون ان يعرف احد عنها شيئا ودون ان تخرج الى حيز النشر انه بطل يفضل ان نطلق عليه اللا بطل فكل ما يمكن ان يجعله متحققا وفاعلا غير موجود، وكل احلامه سرابية، انه رجل يدور في دوامة الغياب واللا فعل، ومن ثم تتبدى فرصته المثلى ليس في تعديل رؤيته للحياة ولدوره فيها وانما في اتخاذ معبر سحري من شأنه - من وجهة نظره - ان يبدل الامور ما نحاً اياه وجها مغايرا عن الوجه الخاضع الخانع ويبزغ ذلك المعبر أو الجسد بوصفه مدينة نابولي الايطالية التي يعتبرها المؤلف قرينة طنجة المغربية حيث يشكل العنصر في المكان خروجا من الحدود الجغرافية وفي ذات الوقت خروجا عن الشعور بالضيق والقهر والاحباط، انه اذن خروج رمزي ومجازي في آن وهو نافذة الخلاص والحرية من تراث اسطوري لا يمل ان يعيد نفسه خالقا دائرة مغلقة وخانقة تأسر بطل الرواية.
في نابولي تبدو كل الاشياء وكأنها خارجة للتو من كتاب الحواديت الاسطورية، بداية من المحطة التي تضج بالقادمين بروائحهم المتضاربة وعرقهم ومأكولاتهم الشعبية، وصولا الى المكان الذي يستقر فيه أوليس المراكشي، والذي تحمل الرواية اسمه ، اي أوبرج الفقراء ذلك المكان المخصص لإيواء كل المحطمين الذين دفعتهم قسوة الحياة الى الانزواء، ومن هنا فالشخوص التي يلتقيها البطل في ذلك البيت سواء كان لقاء ماديا أو خياليا عن طريق حكايات صاحبة الدار عنهم، هي شخوص على نفس الدرجة من الاسطورية سواء بسبب المادة التي قدمتها حياتهم الحقيقية لصنع الحكاية، او بسبب الصياغة الفنية التي تضعها الحكاية لشخصياتهم ودراما حياتهم وشيئا فشيئا يكتسب الحكي - المنقول الى النص باسلوب يقترب من الطابع الشفاهي لتقترن بنقله من صاحبة الدار الى الزوار مقاما مساويا لمقام العمل الفني المكتوب، وتتلاشى الفروق المعيارية بين النوعين لرفع الاقدم الى مستوى الاحدث، والشعبي الى مستوى المؤلف في هذا الاطار تتحول صاحبة الدار ذات الشخصية الطاغية والجاذبية التي لا تقاوم الى ما يشبه نمط غولة حكايات الاطفال القديمة، مكتسبة بدورها وضعا اسطوريا مماثلا لوضع شخوص حكاياتها فتبدو مثل المرأة/ الام التي يولد من رحمها عالم الحكايات تبدو مثل ربة الحواديت التي يمكنها ان تخفف آلام الجميع بما تحكيه بل يمكنها ان تحتوى آلامهم وحيواتهم داخل حواديتها المخترنة في ذاكرتها فتكتسب سلطة عليهم بهذا الشكل السحري.
خلال الرحلة في نابولي - او الرحلة في اوبرج الفقراء - نتعرف على الممثلة القديمة التي كانت تمارس فنها في الاربعينيات من هذا القرن وهي تدور في الحديقة الخلفية للبيت قائلة انها تتدرب على دور جديد، ونتعرف على لاعب الاكروبات الذي كان باستطاعته ان يسير على حبل مشدود بين شرفتي قصرين متباعدين الى ان فقد توازنه ذات مرة وسقط كسيحا، ونعرف عازف البيانو العاشق الذي اضحى يعزف مقطوعاته على جهاز بيانو متخيل ، هو طاولة خشبية حفر على حافتها مفاتيح البيانو التقليدية، ونتعرف كذلك على الشاب السنغالي ذا العقلية البسيطة الذي يخدم صاحبة الدار ويساعدها بعد ان شاخت وبعد ان اعتنقت الاسلام على يديه وبعد كل هذه القصص تأتي قصة ام القصص انها قصة حياة صاحبة الدار نفسها بكل الحزن والشجن الذي تحمله فمع انتهاء قصتها تسلم السيدة الروح بين يدي خادمها السنغالي وكأنها قد رمت الحمول واخرجت من جسدها كل الآلام والجروح واحزان الاخرين التي اثقلت على كأهلها، وكأنها فالحكي تنهي قصتها وحياتها فالحكي هنا اقرب الى عملية التطهير النفسي بينما الحياة واختزان الحكايات وتناقلها اشبه بمعاناة العيش، ولا يمكن ان تتطهر النفس وتتخلص من ضغائنها واحباطاتها الا باخراج المكبوت وتعريته، فهكذا تصفى وتخف فتستطيع ان تحلق نحو بارئها.
موت الحكي
مع موت رمز الحكي تعود بنية الرواية الى القص الكتابي المحكم الحكي لا يموت فحكاية السيدة ومعها كل ما قصته يصبح محملا لكن انصتوا اليها، ولبطلنا الذي يغوص في جعبة الخيال بلا مقاومة من هنا يصبح متوقعا ان يتحول بطل بن جلون الى حكاء بدوره ، او الى وريث المفتاح السري لصندوق الحواديت، انما بطريقته التي يطمح ان تعلو الى قامة جيمس جويس وبعد عودته الى الوطن الذي افتقده يقرر ان يستقيل من عمله بالجامعة وان يقطع كل الروابط التي تصله باشكال القهر، يقرر ان يصبح رجلا بلاحكايات رجلا بلا ماض وبلا حمول وبدلا من ان يكون قد انجز كتابة الرواية التي يحلم بها ويود نشرها، يكون البطل قد عاش احداثا جديدة بصنع رواية اي ان عيش الواقع قد حل محل كتابته، وعوضا عن ان يحقق البطل اسما له ككاتب مر برحلة وعي واستكشاف كانت هي مادة لصناعة رواية المؤلف ظاهر بن جلون.
هكذا يختتم بن جلون روايته الملحمية بايقاع هادىء ورزين يليق بحكمة شيوخ الحكائين فالعودة الى المغرب تحدث بنقلة عذبة وسلسة وبانسيابية الرجوع من الحلم، وكذلك تهدأ العواصف الداخلية لدى البطل ومعها كل الاوجاع والقلاقل بتقنية راقية جدا اشبه بستار المسرحية الذي ينسدل برفق وحنو، من اعلى الى اسفل، مختتما دراما الحياة وربما بحكمة وصفاء يشبهان لحظات موت سيدة الحكايات في نابولي, ومع الصفحات الاخيرة يهيأ للقارىء ان الرواية باكملها كانت بمثابة حكاية خرافية طويلة تضم حكايات اخرى بداخلها، وان الاحداث كلها كانت تدور في مخيلة البطل بدافع قهره ورغبته في ابداع عالم كتابي متخيل، الا ان الرواية في الحقيقة اكثر حسما لذلك التأرجح المثير للخيال وفضول القارىء انها حكاية معاصرة تحملها قاعدة من الخيال الشعبي كي ترتفع عن ألمها وقهرها ولو كان بالعودة الى المجاز التاريخي للحياة كصندوق للحواديت.

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved