* كلما اراد بول ايلوار ان يقول ما يحس به من كآبة فرضية الصور المبتسمة نفسها على قصائده,, ورغم كل كلماته الكئيبة ثمة ضوء مبهج ينبض بداخلها,, اننا امام روح طفل يمزج بين الكآبة والبهجة، وقع الالم وهشاشة الامل، الخشونة والرقة,, هذا الازدواج يستمد جذوره من الشعر الفرنسي - قبل الحرب العالمية الاولى - حيث كان هناك تياران: اصدقاء جول رومان واتباع ابو لينير، ومن هؤلاء تعلم ايلوار الوقار واستخدام الكلمة البسيطة، ومن أولئك تعلم الغنائية وروح الابتكار.
هذا الازدواج يستمد جذوره من حياة ايلوار ايضا، فهذا الشاب الوسيم، الذي يمتلك عينين وادعتين وبنيانا مهيبا يفيض بالحيوية كان يأمل ان يعيش نقيا، في سلام مع العصر، في سلام مع الاخرين لكن الحرب العالمية الاولى لم تمنحه هذه الفرصة، فانضم كجندي الى خنادق القتال واتصل اتصالا وثيقا بشقاء الناس، وادرك ان ثمة شقاء مشتركا بين الجميع، راح يستلهم منه املا جديدا لحياة افضل.
حلم الابرياء الوحيد
همس واحد صباح واحد
والمواسم في ائتلاف واحد .
ففي قلب الظلمات المحيطة ، ورغم قسوة الحرب، لم ييأس ايلوار ابدا من الخلاص الروحي للبشر، ان تعاسات البشر تزيده ثقة ويقينا في الخلاص، وفي بناء عالم جديد للبشر:
سنسوى جميعا ذاكرة جديدة
سنتكلم معا لغة رقيقة .
وحين وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها ايقن إيلوار تهافت القيم البرجوازية، وحاجته الى اصدقاء آخرين، يرتبط مصيره بمصيرهم ويشاركهم نفس الرؤيا، ومن هنا تعرف على بريتون وآراجون وماكس ارنست وغيرهم ، وكانت مغامرة روحية كبرى، وفترة من اخصب فترات الحركة السريالية، ابدع خلالها إيلوار ديوانه الشهير عاصمة الالم لكنه - فجأة - رحل ذات يوم دون ان يترك اي عنوان فأبحر على اول مركب يقوم من مارسيليا في 15 مارس 1924 ومضى في رحلة مفتوحة ليس وراءها هدف محدد، فألقت به المقادير هنا وهناك، على جزر المحيط الهادي، حيث زار جزر الانتيل وسومطرة وتاهيتي، واوشك أوروبا القديمة ان تفقده للابد, وبعد سبعة اشهر من التشرد لحق به اصدقاؤه في سنغافورة فاعادوه معهم الى مارسيليا، وكأنها رحلة طويلة قام بها في منامه ليس لها سوى غرض وحيد ان يتوه .
فرغم احتياجه للصداقة قدر احتياجه الى الهواء والخبز والكتب والسماء، الا انه شعر بالوحدة والكآبة واراد ان يهرب من نفسه، كأنه يطمس هذه النفس ويتحلل منها مخلفا وراءه مجموعة من القصائد فحسب، لقد عاش يتحدث في صوت خفيض الى نفسه:
أشعلت نارا عندما تخلت عني زرقة السماء
نارا لكي أكون صديقها،
نارا لتدخلني الى ليل الشتاء،
نارا لكي احيا حياة افضل
* * *
وعشت على طقطقة اللهب ليس الا .
لقد عاصر ايلوار حربين عالميتين، وشاهد قسوة الاحتلال الالماني لبلاده، فانضم الى حركة المقاومة الفرنسية للعمل ضد الالمان سواء الاشياء الخطيرة او الاشياء البسيطة المضجرة، كختم المظاريف بالصمغ وطي المنشورات وكان يروح ويجيء بين احياء المدينة وحقيبته في يده، قد اثقلتها الاوراق المحظورة والطبعات السرية، يتوقع الخطر الداهم في اي لحظة، كأن يُقتل او يقبض عليه الجستابو، فكان يضطر لتغيير مسكنه كل شهر، وهو يرى قوائم الرهائن تلصق على جدران باريس، ويرى الخوف والعار على وجوه الابرياء ، فكان يتحسر على باريس التي لم تعد تغني,, واضطر ان يختفي في جبال لوزير قرابة شهرين، لم يتوقف خلالهما عن كتابة القصائد المستلهمة من تلك السنوات الصفراء ، قصائد نارية من اجل البعث الروحي لفرنسا، ولذلك اعتبر الالمان ديوانه الشعر والحقيقة بمثابة منشور خطير، وفي احدى قصائد هذا الديوان يقول:
هذا العالم الصغير القاتل
موجه ضد البريء
ينتزع الخبز من فمه
ويطعم النار بيته
ويستولى على سترته وحذائه
ويستولى على وقته واولاده
هذا العالم الصغير القاتل
يخلط الاموات والاحياء
ويبيض الوحل ويعفو عن الخونة
ويحيل الكلمة الى ضوضاء .
لقد تبدى الشاعر المرهف كأعظم ما يكون الرجل المناضل الشجاع، واختلط نشاطه الشعري بنشاطه الوطني,,, لكن قلبه الطيب النقي لم يقدر ان يتحمل ضراوة حربين، لقد تسممت روحه بالكراهية والمقت، فقضى ايلوار فترة حالكة قصيرة في احدى المصحات العقلية بسان البان, ولاشك انها محنة قاسية لكن ايلوار قد اعتاد على المحن والآلام التي صهرت ارادته وجعلته اكثر صلابة ، واكثر نقاء حتى كانت الصدمة الاكبر والاهم في حياته حين فقد زوجته الحبيبة نوش فأحس انه ضحية ظلم وراح يرتعش وحيدا في مكتبه ، يعاني قسوة الوحدة وآلامها ، لقد حضر الموت على غير انتظار فوضع حدا عنيفا لزمن لم يكن الحب فيه غير اسم من اسماء الشعر.
ما الذي ابقته الايام من كل ما قلته عن ذاتي
لقد احتفظت بكنوز زائفة في خزائن فارغة
وصلتُ بين طفولتي ومللي مركبة لا تفيد
وصلتُ الرحيل بأوهامي .
لقد بلغ بول ايلوار قمة الشقاء في الحب ، تماما مثلما بلغ قمة الشقاء عن طريق الحروب، وربما لو لا هذا كله لما ابدع، ولما اصبح بحق شاعر الحب والحرية، ويكفي ان قصيدته عن الحرية قد رددها كل احرار العالم، ونشرت مقاطع منها بكل اللغات، فانتقلت هذه الابيات الرائعة من جنيف الى الجزائر، من نيويورك الى موسكو، وقد ترجمها الى العربية شاعران كبيران، حيث ترجمها فؤاد حداد بالعامية المصرية ، وترجمها عبدالوهاب البياتي بالعربية الفصحى:
على الحقول، على الافق
على اجنحة الطيور
وعلى طاحونة الظلام
اكتب اسمك
على ملاجئي المخربة
علىمناراتي المتداعية
على جدران ضجري
اكتب اسمك .
ويختتم ايلوار هذه
المقاطع الدافقة اللاهثة قائلا:
وبقوة كلمة
ابدأ حياتي ثانية
لقد ولدت لاعرفك
لاسميك
ايتها الحرية .
لقد كسبت صفحة الشعر العالمي مغنيا عظيما للحب والحرية، ورجلا طيبا، صادق الطيبة، فهو يبعث الراحة فيمن يحيط به من الناس كما يبثهم الرقة والكرم، انه يثق في جميع الناس، وغالبا ما يكسب هذه المقامرة ,.
وهي ان الناس طيبون اما الاشرار الذين يشذون فلا يحمل لهم سوى كراهية بسيطة، كراهية نبيلة لاتحمل سخرية، انها كراهية رجل طيب، عاش عمره - رغم كل المحن والآلام - كنهر جبلي شديد النقاء، يجري ويدفق تجاه الآخرين، ولا ينتهي ابداً.
شريف صالح