Friday 7th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 21 محرم


من وحي المنبر
التحذير من الكبر والتكبر
الشيخ الدكتور/صالح بن عبد الرحمن الأطرم *

الحمد لله رب العالمين,, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً نبي الرحمة إلى الخلق أجمعين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين لا خير إلا دل الأمة عليه ولا شر إلا حذرها عنه، فالخير باتباعه والشر باجتناب أقواله وأفعاله.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أنه مما حذرنا عنه صلى الله عليه وسلم تلك الخصلة الذميمة والصفة الممقوتة المفسدة للعقول والأخلاق، ألا وهي صفة التكبر والكبر والكبرياء، هي العظمة يجدها الإنسان بنفسه بسبب ماحباه الله به من علم أو جمال في الخلق أو رفعة ومنصب أو قوة في الرأي, وما علم هذا المسكين بأن الواجب عليه نحو هذه الصفات هو شكر الله تعالى قولا وفعلا واعتقادا لأنه لم يتحصل عليه بحوله وقوته، وأثر الكبر من تعاظم عن الحق فلم يقبله ولم يلتفت إليه ولذلك استعاذ موسى عليه السلام بربه وخالقه من كل متكبر لايؤمن بيوم الحساب، وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وقد نفى الله سبحانه وتعالى محبته للمتكبرين وتوعدهم بأنه يعلم ما أسروه وما أعلنوه، قال تعالة:لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين والا ستكبار على الحق جريمة كان الحق لله أو لأحد من خلقه وهو أول ذنب عصى الله به، قال تعالىوإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين .
فمن استكبر على الحق لم ينفعه إيمانه وكان من جنود إبليس, فالمؤمن حقا الذي إن دعي إلى الله أجاب,إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون .
فالبدار البدار إلى الدخول في سلك المفلحين الفائزين والحذر الحذر عن الدخول في سلك الكافرين والمنافقين الذين لا ينفذ الحق إلى قلوبهم بل كانوا عنه معرضين متكبرين.
قال تعالى: وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظلمون , من دعي إلى أداء شعيرة من شعائر الدين كالصلاة والزكاة أو إلى ترك ذنب نهى الله عنه ورسوله أو لحكم الله فلوّى عنقه ولم يعبأ بذلك فهو مستكبر وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون وجاء فيمن تكبر وتبختر في مشيته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يتبختر في مشيته إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة .
وهذه عقوبة عاجلة على من يتبختر في مشيته وتاه وأعجب بنفسه فلم يقبل علما ولا حقا وقد جمع هذه الصفات قارون كما حكى الله عنه في القرآن الكريمإن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم أي تكبر وتجبر بسبب ماأتاه الله من المال الذي كان عليه محنة وابتلاء واختباراً هل يشكر أم يكفر إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين واستمع إلى جوابه يا أخي المسلم فلقد كان حين وعظه قومه طاغيا جاحدا لنعم الله عليه تكبرا واستنكافا عن الحق ونسب ماحباه الله به لنفسهقال إنما أوتيته على علم عندي فرد الله عليه وأكذبه أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون ثم حكى الله ماقاله اهل الإيمان وأهل العلم والمعرفة بربهم وثوابه وعقوبة قارون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظٍ عظيمٍ وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صلحاً ولا يلقاها إلا الصابرون وحينما استمر على طغيانه وانكار نعمة الله عليه عاقبه الله بأن خسف الله به وبداره الأرض في الدنيا وما استطاع أحد نصره، وله في الآخرة عذاب عظيم فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئةٍ ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وفي يوم القيامة يعاقب بالذل والصغار ويحرم من الجنة, قال صلى الله عليه وسلم: يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر تطؤهم الناس يغشاهم الذل من كل مكان وقال صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر رواه مسلم, وقال تعالى: ولا تصعّر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور قال المفسرون : أي لا تمل خدك معرضا متكبرا، والمرح والتبختر وقال سلمة ابن الأكوع: أكل رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال الرسول عليه السلام كل بيمينك قال الرجل لا استطيع قال الرسول عليه السلام: لا استطعت مامنعه الا الكبر فما رفعها إلى فيه بعد, والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في تحريم الكبر والنهي عنه كثيرة، وأشر الكبر الذي فيه من يتكبر على العباد بعلمه ويتعاظم في نفسه بفضيلته فإن هذا لم ينفعه علمه.
فإن من طلب العلم للآخرة كسره علمه وخشع قلبه واستكانت نفسه وكان لها دائما بالمرصاد فلا يغتر بها، بل يحاسبها كل وقت ويتفقدها فإن غفل عنها جمحت عن الطريق المستقيم وأهلكته ومن طلب العلم للفخر والرياسة وبطر على المسلمين وتحامق عليهم وازدراهم فهذا من أكبر الكبر ولا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر، فالتكبر صفة ممقوتة فيها خصال مذمومة ومضار عدة منها أنه لا يتكبر على أحد حتى يعجب بنفسه ويرى لها على غيرها الفضل.
ثانياً: ازدراؤه بالعالم لأن من لم يستحقر الناس لم يتكبر عليهم.
ثالثاً: منازعة الله عز وجل في صفاته والكبرياء والعظمة من صفات الله جل وعلا فمن نازعه احداهما ألقاه الله في النار إلا أن يتفضل عليه بعفوه.
رابعاً: ومن خصاله المذمومة أنه سبب لبغض صاحبه وعدم صفاء الاخوان له وإن صاحب الكبر لا يطمع في حسن الثناء, قال بعض العلماء: مااستجلب البغض بمثل التكبر ولا اكتسبت المحبة بمثل التواضع ومن استطال على الاخوان فلا يطمع منهم بالصفاء, ولا ينبغي لصاحب الكبر أن يطمع في حسن الثناء ولا تكاد ترى تائها إلا وضيعاً, والله نسأل العفو والعافية من صفة العظمة والكبرياء والخيلاء, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيمولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً .
* عضو هيئة كبار العلماء

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
المزهرية
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved