مصاب جلل بدد الاحلام الجميلة، وطعن الآمال الباسمة العريضة وشتت الروى الندية, كل شيء في الوجود له بديل إلا الرجال المخلصين فإن فقدهم خسارة فادحة لا تعوض، فقد تهلك امة بفقد رجل من رجالها الذين يحملون المسؤوليات الثقيلة على كواهلهم، وهذا الصنف من الرجال ينشأ متميزا في تفكيره وأخلاقه وسلوكياته عن الذين يعيشون حياتهم لأنفسهم فقط.
فالرجل إذا برز في عصره وتفوق في زمانه وصقلته المسؤوليات الجسام بتجاربها وهذبته بمصائبها جعلت منه رجلا مسئولا مسئولية صعبة حتى وصل إلى مكانة عالية لا يمكن ان يشغل مكانه غيره بسهوله يستطيع حمل الاثقال التي تراكمت عليه وتزاحمت على مر السنين وليس كل الرجال يستطيع حمل الامانة والقيام بواجباتها ومسؤولياتها وأداءها بكفاءة ومقدرة.
وقد يبدأ المسؤول حياته العملية بداية عادية ثم تتطور المهام والمسؤوليات يوما بعد يوم حتى تعادل تلك المسؤوليات الجبال الراسيات العظام ومع ذلك يتحملها بقدرة فائقة وروح مرحة ويجتاز بها كل الصعاب والمفاوز والمنعطفات، وهذا من البديهات، فلو غرزت دبوسا كل يوم في جسم محمول وداومت على هذا الحال فانك بعد زمن بعيد تجد امامك كتلة من الدبابيس بحجم ووزن الجبال ومع ثقلها وتراكمها لا يحس بها حاملها منذ وضع اول دبوس لأنه اخذها على جرعات متتالية ويصبح حمل هذه المجموعة بعد تراكمها بالنسبة لغيره مستحيلا مهما كانت قوته وقدرته وهكذا المسؤوليات تتراكم حتى تبلغ ما بلغت الجبال.
ومن هذا المنطلق بكت الامم فقد رجالها الافذاذ المخلصين وحسبت ألف حساب للفراغ الذي يتركه رحيلهم.
فما بالك إذا كان الفقيد مثل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة الجندي المجهول الذي ظل كاهله مثقلاً بالمهام والمسؤوليات الجسام اكثر من ثمان وثلاثين سنة يعاني من هذا الحمل الثقيل.
فقد تولى حكم البلاد وتحمل اعباء المسؤوليات منذ عام 1381ه في وقت قلّ فيه الرجال وكانت البلاد العربية تعج بالاضطرابات والفتن وتغطي سماءها الشعارات البراقة وتقوم المنظمات المدعومة من بعض الجهات على محاربة الانظمة التقليدية القائمة وتنادي بالانقلابات المدمرة.
وكان الاستعمار ضاربا بجرانه والاطماع الدولية تحيط بالبلاد العربية من كل الجوانب وكان نشاط الحركات الحزبية على اشده وأبواق المنظمات تنعق في كل مكان، ولكن الشيخ عيسى رحمه الله بسياسته المناسبة لوضع بلاده استطاع ان يقود المسيرة الوطنية على علاتها ويصحح اوضاعها ويخرج بها من الوعر الى السهل ومن الظلمة الى الضياء ومن الضعف الى القوة.
وكانت اوضاع البلاد السياسية آنذاك إذ لا تزال واقعة تحت الحماية البريطانية ولكن الشيخ عيسى رحمه الله على الرغم من انه كان شابا ومحدود الامكانات، ولكنه بجهوده الموفقة وسياسته الحكيمة المتأنية استطاع تذليل الصعاب والصمود في وجه الأعاصير وهوج الرياح وسلبيات الفتن المبثوثة في البلاد العربية والخروج بالبلاد من تلك العواصف والاعاصير إلى بر السلامة والسكينة حتى رست سفينة المسيرة في شاطىء الامان، وذلك بفضل التخطيط السليم وجهوده المتواصلة وكفاحه الهادي المنظم فقد تم له تحرير البلاد من الاحتلال الخارجي حتى نالت استقلالها التام عام 1391ه وتشكلت اول حكومة مستقلة وأصبحت احد اعضاء هيئة الامم المتحدة وعضوا في مجلس الامن وكان وضع البحرين يختلف عن وضع اي بلد آخر من حيث الموقع والمساحة والهوية، وكانت قبل تولي الشيخ عيسى تقاليد الامور، تعد مركزا تجاريا يلتقي فيه تجار اللؤلؤ وغيرهم من الشرق والغرب ويجتمع فيه صائدو المحار من مختلف الاجناس البشرية، واهميتها تأتي من كونها سوقا تجاريا اكثر من اي اعتبار آخر.
ولما تسلم الشيخ عيسى رحمه الله زمام الامور وتولى مهام الحكم تغيرت الاوضاع بالبلاد وسار بها الى مصاف الدول الاخرى حتى اصبحت البحرين دولة مستقلة ذات سيادة وقيادة وريادة لها ثقلها في الأوساط العربية والاسلامية والدولية بفضل جهوده المكثفة وسياسته المعتدلة الحكيمة حتى تجاوز بسياسته الموفقة كثيرا من الصعاب الداخلية والعربية والدولية.
ولا تقل مهارته في سياسته الداخلية عن مهارته في سياسته الخارجية, فقد استطاع ببراعة وابداع قيادة شعبه وان اختلفت مشاربه ومذاهبه إذ كان يتعامل مع كل فرد بما يتلاءم مع تفكيره وفهمه ووضعه، ويتحدث مع كل واحد بالطريقة التي يفهمها، وبالسليقة التي تعلمها ببراعة فائقة, وكان يطبق سياسة الباب المفتوح ويكلم كل مواطن منفردا وكأنه الوحيد الذي يتعامل معه حتى ينهي مشكلته وينصرف مقتنعا بالحل الذي قرره، وكان ينظر الى الافاق البعيدة بأفكار نيرة جديدة حتى اصبحت البلاد في حاضرها لؤلؤة متألقة في فم الزمان تتموج اضواؤها في احشاء الخليج العربي، تراها كقطعة غيم مضيئة ينفذ من خلالها نور القمر، تغطيها سماء نجد الصافية قد انفصلت من غمامة واسعة عند الفجر، وجوهرة في كبد البحار تألقت ترقصها امواج البحار الهادئة، قطعة خضراء في بقعة زرقاء نسخة من الحضارة العصرية وقطعة من البلاد الاوربية في التنظيم والنظام والتخطيط والعمران، في حركة دائبة ونشاط مستمر، وقد لا يكون حمل الامانة الثقيلة بعزيز على سمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الذي كان ساعده الأيمن وولي عهده الذي عاصر تلك الانجازات وساهم فيها مساهمة فعالة.
فقد تولى ولاية العهد منذ 1384ه وتولى المهام الكبيرة وشارك في كثير من الانجازات الوطنية والسياسية، وكل المجالات الوطنية والدولية وكفاءته وقدرته العلمية وخبرته العملية تجعله قادرا وتؤهله لحمل هذه المهام والمسؤوليات الجسام بمهارة وقدرة، وكان عزاء الشعب البحريني والأمة العربية والاسلامية وجود أمثال سمو الشيخ حمد الذي لا يقل قدرة ومهارة وابداعا وبراعة من الشيخ عيسى وهذا الشبل من ذاك الأسد، وبمعونة أفراد الاسرة الكريمة ورجال البحرين العاملين يتحقق رأب الصدع وسد الخلل وملء الفراغ الذي تركه الفقيد الراحل رحمه الله رحمة واسعة وجعل عقبه خير خلف لخير سلف، وجنّب الله الرجال العاملين المخلصين كل مكروه وأزال عن الأمة كل محذور.
د, عثمان بن صالح العلي الصوينع
الرياض